مشاعر متضاربة.. بذريعة اعتقال مادورو من قبل الأمريكيين
عبد الجواد موسوي، الشاعر والصحفي
لو كان مادورو مثل أليندي، أي أنه جاء من انتخابات نزيهة ويحظى بقاعدة شعبية حقيقية، هل كنا سنبقى صامتين أمام اختطافه؟ لا شك في بشاعة وفساد دونالد ترامب وحكومته الفاشية، لكن أحيانًا لا يبالي الإنسان بإيذاء الآخرين بحکم درء الأفسد بالفاسد أو الفاسد بالأفسد، أو حتى عقاب العقل الكافر، مطرقة الملحد.
على الأقل بالنسبة لنا نحن الإيرانيين، تكرر هذا الأمر مرارًا وتكرارًا؛ كم تمنينا انتقام الدبلوماسيين الإيرانيين من طالبان؟ وكم كنا متحمسين عندما تولى بوش السلطة وأسقط طالبان في أفغانستان؟
وفي الوقت الذي كان فيه الأمريكيون يدمرون وحوش داعش في سوريا والعراق، كنا نحن في هذا الموقف - رغم أن الكثيرين منا اعتقدنا ولا نزال أن بذرة داعش زرعها الأمريكيون والإسرائيليون - إلا أنه عندما كان داعش يجوب قرب الحدود الإيرانية، لم يعد يهم من أنشأه. كانت الولايات المتحدة تدمر من كنا في حالة حرب معهم، ومن كنا ننوي تدميرهم. بالطبع، كان مادورو، ظاهريًا، صديقنا وحليفنا الاستراتيجي تمامًا كما تفعل كوريا الشمالية أحيانًا لدعمنا أمورًا نتقبلها، لكننا في قرارة أنفسنا غير راضين. نحن ندرك أن السياسة السطحية لا تُرضي قلوبنا، لكننا نتمنى لو كان هناك بلد يدافع عنا وعن سياساتنا، بلد تسوده الديمقراطية وبلد يعترف بحق شعبه في التصويت، ويمنحه الرخاء والأمن، وقدرًا من الحرية.
مهما دافعت كوريا الشمالية عن نفسها ضد سياسات الحكومة الأمريكية الإمبريالية، إلا أنها هي نفسها تنتهك الحقوق الأساسية للشعب الكوري الشمالي، فإن شعاراتها وأفعالها السياسية ليست لها قیمة. أقول بصراحة مع كل الكراهية التي أكنّها لحكومة ترامب الفاشية والعنصرية، سأكون سعيدًا من صميم قلبي لو سمعت الليلة أن القوات الأمريكية الخاصة قد اقتادت حاكم كوريا الشمالية الموهوم من فراشه إلى غوانتانامو.
بالطبع، أعلم أن الأمريكيين لا يمانعون الديكتاتورية، ولا وحشية طالبان وداعش، وأنهم أينما حلّوا لم يجلبوا سوى الحرب والظلام والبؤس، لكن في النهاية، لا يسعني إخفاء مشاعري وبالطبع، لن أمانع لو استسلم حاكم كوريا الشمالية لإغراءات الصينيين والروس، وألحق كارثة بترامب والحكومة الأمريكية، حتى تبكي عليهم طيور السماء لكن دعونا لا ننسى أن ترامب وأمثاله، بكل ما فيهم من بشاعة، يهتمون بشعوبهم على الأقل. والسبب وراء كراهية الناس الشديدة لحكام العالم الثالث هو أنهم يمارسون أشد أنواع القمع ضد شعوبهم ويهتفون بشعارات ضد القمع، ولكنهم هم أنفسهم الأكثر قمعًا، ونحن محظوظون لأنهم لا يملكون سلطة بحجم سلطة الولايات المتحدة.
تخيّلوا للحظة أن صدام حسین وبشار الأسد وطالبان وسائر الأنظمة الاستبدادية يمتلكون نفس قوة أمريكا اليوم هل كانوا سيُبقون حیاً واحداً على وجه الأرض باستثناء عصابتهم؟ ومن المؤسف للغاية أن يفرح عدد كبير من الناس الذين يريدون العدالة بنجاح حكومة فاسدة وظالمة تماماً، لكن المتسببين الرئيسيين في مثل هذا الوضع هم الحكام أنفسهم، الذين ينتهكون العدالة قبل أي شخص آخر.
لا أدري إن كنت تتذكر؟ قبل بضع سنوات، عندما كانت فنزويلا تُعاني من إحدى أسوأ أزماتها الاقتصادية، وكان معظم الناس يُواجهون صعوبة في تأمين احتياجاتهم اليومية، كان السيد مادورو نفسه وزوجته يتناولان وجبة فاخرة في مطعم راقٍ في إسطنبول. ولسوء حظ السيد مادورو، المُعادي لأمريكا، والناشط في مجال العدالة، واليساري، تم تسريب فيلم يُظهر ذلك النهم، مما أثار غضبًا عارمًا في فنزويلا.
لا شك لديّ في أن جميع من خرجوا إلى كاراكاس وغيرها من المدن الفنزويلية ليلة أمس للاحتفال باعتقال رئيسهم على يد الأمريكيين، هم أنفسهم الذين استشاطوا غضبًا في ذلك اليوم من نفاق السيد مادورو وتناقضاته. لا يمكنك دعوة الناس إلى الزهد والتقوى، بینما تستثني نفسك وأصدقاءك المتملقين. إن قصة مادورو وما حدث في فنزويلا تحمل دروسًا كثيرة للعالم أجمع، ولا سيما للأصدقاء الساعين إلى العدالة والحرية.

الآراء